الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
78
مناهل العرفان في علوم القرآن
جاء من ناحية أن محمدا كان الفرد الكامل في بيانه بين قومه ، لذلك جاء قرآنه الفرد الكامل أيضا بين ما جاء به قومه ، ولم يستطيعوا لهذا الاعتبار وحده أن يأتوا بمثله ، شأن الرجل الفذ بين أقرانه في كل عصر . ونجيب على هذه الشبهة بأجوبة خمسة : ( أولها ) أن كل من أوتى حظّا من حسّ البيان وذوق البلاغة ، يفرق بين أسلوب القرآن وأسلوب الحديث النبويّ فرقا كبيرا يمثّل الفرق الكبير بين مقدور الخالق ومقدور المخلوق . وها هما القرآن والحديث النبويّ ، لا يزالان قائمين بيننا ، يناديان الناس بهذا الفارق البعيد ، إن كان لهم إحساس في البيان وذوق في الكلام . ولو كان لهذه الشبهة شيء من الوجاهة ، لكان أولى الناس أن يرفعوا عقيرتهم بها هم أولئك العرب الخلّص الذين شافههم القرآن ؛ لأنهم كانوا أحرص على تعجيز محمد وإسكاته للاعتبارات التاريخية المعروفة . لكنهم ما قالوا هذا . بل كانوا أكرم على أنفسهم من أن يقولوه ، إيقانا منهم بظهور المميّزات الفائقة بكلام الربوبية عن كلام النبوّة ، بحيث لا يلتبس أحدهما بالآخر في شئ . وهكذا « من ذاق عرف ومن حرم انحرف » . وكم من عائب قولا صحيحا * وآفته من الفهم السّقيم ( الجواب الثاني ) أن القرآن لم يأت الناس من الخلف ، بل جاءهم من أوسع الأبواب ، ودخل عليهم من طريق العرب الخلصاء ذوى اللّسن والبيان . وتحدّاهم من الناحية التي نبغوا فيها وهي صناعة الكلام ، تلك الصناعة البيانيّة الفائقة التي وقفوا عليها مواهبهم وأنفقوا فيها حياتهم ، حتى صارت موضع تنافسهم وسبقهم ، وموضوع فخرهم وفوقهم . شأن سائر معجزات اللّه تعالى : لم تأت الناس إلا من